الشيخ محمد رشيد رضا
486
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ونذير يبين الطريق المستقيم للعقل المستنير ، فالدين مساعد للعقل على حسن الاختيار إذا أحسن النظر والتفكير ، واللّه تعالى يأمر بهما بمثل قوله : 101 قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي قل أيها الرسول لقومك الذين تحرص على هداهم : انظروا بعيون أبصاركم وبصائركم ما ذا في السماوات والأرض من آيات اللّه البينات والنظام الدقيق العجيب في شمسها وقمرها ، وكواكبها ونجومها ، وبروجها ومنازلها ، وليلها ونهارها ، وسحابها ومطرها ، وهوائها ومائها ، وبحارها وأنهارها ، وأشجارها وثمارها ، وأنواع حيواناتها البرية والبحرية ، ففي كل من هذه الأشياء التي تبصرون آيات كثيرة تدل على علم خالقها وقدرته ، ومشيئته وحكمته ، ووحدة النظام في جملتها وفي كل نوع منها هو الآية الكبرى على وحدانيته في ربوبيته وألوهيته ، ثم انظروا ما ذا في أنفسكم منها كما قال ( وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ ) إنه يريكم كل هذه الآيات ثم أنتم تشركون وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ يجوز في هذه الجملة النفي والاستفهام ، والنذر فيها جمع نذير أو إنذار : والمعنى ان الآيات الكونية على ظهور دلالتها ، والنذر التشريعية على بلاغة حجتها ، لا فائدة فيهما ولا غنى لقوم لا يؤمنون باللّه عن الايمان الذي يهديهم إلى الاعتبار بالآيات ، والاستدلال بها على ما تدل عليه أكمل الدلالة من وحدانية اللّه وقدرته ، ومشيئته وحكمته ، وفضله ورحمته ، والاعتبار بسننه في خلقه ، ففائدة الايمان الأولى توجيه عقل الانسان إلى حسن القصد في نظره في الآيات ، والاستفادة منها فيما يزكي نفسه بالعلم والايمان ، ويرفعها عن أرجاس الأمور وسفسافها ، وبهذا تفهم معنى جعل الرجس على الذين لا يعقلون ، فليس المراد بالذين لا يعقلون المجانين الفاقدين لغريزة العقل ، بل المراد به الذين لا يستعملون العقل في أفضل ما هو مستعد له من المعرفة باللّه وتوحيده وعبادته ، التي تجعلهم أهلا لاتمام نعمه عليهم وكرامته ، بالتزام الحق والعدل ، وإيثار الخير على الشر